محاولة تجاوز الأزمة!
تظهر البيانات الأخيرة من مجلس التمريض والقبالة أن واحدًا من كل أربعة ممرضين يعملون في NHS قد تم توظيفه من الخارج

لطالما تم الإشادة بنظام الصحة الوطنية في بريطانيا (NHS) كركيزة أساسية للرعاية الصحية الشاملة، ومع ذلك في السنوات الأخيرة كان هذا النظام يواجه نقصاً كبيراً في صفوف الأطباء والممرضين مما أدى إلى ظهور نقاط ضعف بارزة تؤثر بشكلٍ واسع على رعاية المرضى وتقديم الخدمات لهم. يكمن جوهر هذه التحديات في نقص عدد الأطباء والممرضين الذي تفاقم كثيراً بسبب عدم الكفاءة في التعليم والتخطيط لجذب القوى العاملة مما وضع النظام الصحي تحت ضغط هائل.
لقد أصبح النقص المستمر في الأطباء أحد التحديات الجسيمة التي تواجه نظام الـ NHS. تشير بيانات الأعوام 2023 إلى 2024 إلى أن عدد الوظائف الشاغرة للأطباء في قطاع الرعاية الصحية الثانوية مرتفع بشكل مقلق. على سبيل المثال تشير التقارير إلى أن NHS إنجلترا لديها آلاف الوظائف الشاغرة الأمر الذي يعكس بوضوح "نقص الأطباء" الذي يتزايد بمرور الوقت. على الرغم من الجهود المبذولة لزيادة قدرة كليات الطب - وهي مبادرة شهدت زيادات من 7,660 إلى أكثر من 10,415 في السنوات الأخيرة - فإن هذه الأعداد لم تتواكب مع الزيادة في الطلب على الرعاية الصحية.[1]
ردًا على هذا الفجوة اتجهت NHS إلى الأطباء المدربين دوليًا لسد هذا العجز. منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي زاد الاعتماد على خريجي الطب الأجانب بشكل ملحوظ. في الواقع تشير التقارير إلى أن أكثر من ثلثي التعيينات الجديدة في NHS في بعض القطاعات هم من خريجي الجامعات غير البريطانية وهو اتجاه أثار مخاوف أخلاقية وعملية كبيرة. يأتي العديد من هؤلاء الأطباء من دول تُصنف بـ "القائمة الحمراء" مثل نيجيريا وغانا وزيمبابوي وهي دول تعاني بدورها من نقص حاد في الأطباء. إن هذا الاعتماد على المتخصصين المدربين خارج البلاد رغم كونه ضروريًا على المدى القصير لكنه يعرض نظام الرعاية الصحية لمعضلات جيوسياسية وأخلاقية. يجادل المنتقدون بأن هذه الاستراتيجية لا تساهم فقط في استمرار "نقص الأطباء" في NHS، بل تشير أيضًا إلى عدم كفاءة أساسية في تخطيط القوى العاملة حيث إن نظام التدريب المحلي غير قادر على تلبية احتياجات السوق لعدد كافٍ من الأطباء المؤهلين.[2]
بالتوازي مع التحديات الموجودة في القوة العاملة الطبية تواجه NHS أيضًا نقصًا حادًا في عدد الممرضين. رغم كثرة الطلبات فإن معدل الاحتفاظ بالموظفين منخفض ومعدل مغادرتهم مرتفع. تظهر البيانات الأخيرة من مجلس التمريض والقبالة أن واحدًا من كل أربعة ممرضين يعملون في NHS قد تم توظيفه من الخارج. لقد زاد هذا الاعتماد على التوظيف الدولي بعد التغييرات السياسية مثل إلغاء المنح الدراسية لتعليم التمريض في عام 2017، مما أدى إلى انخفاض ملحوظ في الطلبات من المواهب المحلية. إن "نقص الممرضين" لا يضغط فقط على القوة العاملة الحالية بل يزيد أيضًا من الضغوط المتعلقة بحجم العمل على الأفراد المتبقين مما يؤدي إلى الإرهاق المهني وانخفاض الروح المعنوية وفي النهاية مزيد من المغادرة. إن هذه الحلقة المفرغة تضعف القدرة الإجمالية لـ NHS على تقديم رعاية آمنة وفعالة للمرضى.[3]
إن أحد العوامل الرئيسية التي تقف وراء هذين النقصين هو عدم الكفاءة في نظام تعليم وتوظيف المتخصصين في الصحة والرعاية. تتجلى عدم الكفاءات المنهجية بعدة أشكال. أولاً لم تتحسن القدرة الداخلية على تدريب الأطباء والممرضين بما يتناسب مع زيادة الطلب. يضطر العديد من الطلاب الواعدين في مجال الطب إلى الدراسة في الخارج بسبب نقص المقاعد في المؤسسات البريطانية. على سبيل المثال اختار عدد كبير من الطلاب البريطانيين دراسة الطب في بلغاريا حيث يوجد حاليًا أكثر من 2500 طالب مسجل مما يعكس فجوة مقلقة بين الطلب الداخلي والفرص التعليمية المتاحة. لا تهدد هذه عدم الكفاءة في النظام التعليمي مستقبل المواهب الطبية فحسب بل تؤدي أيضًا إلى هجرة العقول من المتخصصين المحتملين المحليين الذين يعتبرون ضروريين للحفاظ على استدامة نظام الـ NHS على المدى الطويل.[4]
كما أن عواقب هذه القضايا المرتبطة ببعضها عميقة. حيث يواجه موظفو الـ NHS الذين يعانون من نقص الأطباء والممرضين عبئًا كبيرًا من العمل، مما يؤدي إلى معدلات أعلى من التوتر والإرهاق المهني والمغادرة المبكرة لهذه المهنة. ويقلل هذا الإرهاق من جودة الرعاية، كما يضع ضغطًا إضافيًا على النظام للتوظيف والتدريب المستمر للموظفين الجدد، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة تعزز عدم الكفاءة وتعزز الاعتماد على المتخصصين المدربين في الخارج.
إن مواجهة هذه التحديات تتطلب نهجًا شاملًا ومتعدد الأبعاد. أولاً يجب على NHS الاستثمار في توسيع وتحديث البرامج التعليمية الداخلية. من الضروري زيادة أعداد المقبولين في كليات الطب والتمريض، جنبًا إلى جنب مع تحسين آليات الدعم والاحتفاظ بالموظفين للمتدربين. يمكن أن تكون سياسات مثل إعفاء القروض الدراسية للطلاب في المجالات الصحية الذين يلتزمون بالعمل في NHS حافزًا أكبر لدخول والاحتفاظ بالمواهب المحلية في سوق العمل.
في النهاية يُظهر أزمة القوى العاملة في نظام الصحة البريطاني في عامي 2023 و2024 النقص الملحوظ في الأطباء والممرضين أن هيكل الرعاية الصحية يواجه عدم كفاءات منهجية في التعليم والتوظيف، وأن البلاد لا تزال حتى بعد عدة سنوات عاجزة عن تجاوز هذه الأزمة على الرغم من خططها وبرامجها المتعددة.